أجمع خبراء سياسيون واقتصاديون دوليون على خطورة التعريفات الجمركية التى أقرها الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، على صادرات عدد من دول العالم، معتبرين أنها تهدد باندلاع حرب تجارية عالمية، وتؤدى لتراجع مكانة الولايات المتحدة سياسيًا، وقد تتسبب فى حدوث انقسامات داخل الإدارة الأمريكية نفسها.
وبدأ موظفو الجمارك الأمريكية، أمس، تحصيل الرسوم الجمركية الأحادية التى فرضها ترامب بنسبة ١٠٪ على جميع الواردات من العديد من الدول.
وقالت البروفيسور كاميلا زاريتا رومانوفسكا، المستشار القانونى لدى الاتحاد الأوروبى وحلف شمال الأطلسى، وماهر نقولا الفرزلى، المدير التنفيذى للمركز الأوروبى الآسيوى للدراسات الاستراتيجية المستشار السابق للبنك الدولى، فى حوارهما مع «الدستور»، إن تلك التعريفات مهددة بالإلغاء قضائيًا فى حال تسببت فى ضرر واسع للشركات الأمريكية، متطرقين إلى مخاطرها الكبيرة على الاقتصاد العالمى.
■ إلى أى مدى ستضر الرسوم الجمركية التى اقترحها «ترامب» بالاقتصاد العالمى؟.. وهل يمكن أن تؤدى بالفعل إلى إشعال حرب تجارية؟
- تُمثل رسوم الرئيس ترامب الجمركية تصعيدًا حادًا وتؤجج التوترات التجارية العالمية، وتنذر بعواقب وخيمة محتملة.
ومن شبه المؤكد أن فرض رسوم جمركية شاملة بنسبة ١٠٪ على جميع الواردات إلى الولايات المتحدة- بالإضافة إلى رسوم جمركية مستهدفة أعلى بكثير، بقيمة ٢٠٪ للاتحاد الأوروبى و٥٤٪ للصين- سيُعطل تدفقات التجارة العالمية، لذا سنشهد بالفعل تقلبات فى السوق وضغوطًا تضخمية متزايدة.
إن خطر اندلاع حرب تجارية شاملة «حقيقى»، حيث ردت الصين بالفعل برسوم جمركية متبادلة بنسبة ٣٤٪ وقيود جديدة على تصدير المعادن النادرة، وهى حيوية لصناعات التكنولوجيا الفائقة فى جميع أنحاء العالم.
وفى غضون ذلك، تضرر حلفاء الولايات المتحدة التقليديون مثل الاتحاد الأوروبى والمملكة المتحدة وكندا، حتى الدول الصديقة مثل إيطاليا والمجر وسلوفاكيا، بينما نجت الأنظمة المعادية مثل روسيا وكوريا الشمالية وبيلاروسيا وكوبا بشكل ملحوظ، ويثير هذا الاستهداف الانتقائى مخاوف ليس فقط بشأن العدالة، بل أيضًا بشأن التماسك الجيوسياسى.
وبالنسبة لأوروبا، لا تتحدى هذه السياسة معايير التجارة فحسب، بل إنها تضرب فى صميم الشراكة عبر الأطلسى، فى وقت يشهد العالم فيه هشاشة هائلة، فهناك حرب مستمرة فى أوكرانيا، وأزمة إنسانية فى غزة، وتهديد وشيك بركود عالمى يتفاقم بفعل التخفيضات الحادة فى تمويل الأمم المتحدة، ولا يمكننا تحمّل المزيد من التشرذم.
ومواجهة بهذا الحجم لا تفيد أحدًا، ولكن إن كان هناك أى بصيص أمل هنا، فهو أن هذه اللحظة قد تُجبر على إعادة تفكير أوسع فى العلاقات التجارية العالمية، وربما تشكل رافعة لتحقيق وقف إطلاق النار فى أوكرانيا، أو لتهدئة صراعات أخرى يمكن للدبلوماسية التجارية أن تلعب دورًا فيها.
ما نحتاجه الآن هو مشاركة متعددة الأطراف، والتزام متجدد بتجارة عادلة قائمة على القواعد، وقبل كل شىء، نضج استراتيجى- من جميع الأطراف- لمنع تحوّل النزاعات الاقتصادية إلى خلافات سياسية.
وعلى الاتحاد الأوروبى أن يستعد للحوار، ويحث الولايات المتحدة على العودة إلى طاولة المفاوضات، ليس كخصم، بل كشريك فى بناء نظام دولى أكثر استقرارًا وعدلًا.
■ ما غرض «ترامب» من فرض هذه الرسوم؟ وهل ستحقق نتائج إيجابية للااقتصاد الأمريكى على أرض الواقع؟
- يبرر الرئيس ترامب فرض الرسوم الجمركية، كما ورد فى «الأمر التنفيذى للرسوم الجمركية المتبادلة»، بحماية القاعدة الصناعية الأمريكية وخفض العجز التجارى.
وتتماشى هذه الخطوة مع شعارات ولايته الأولى، مثل «اقتصاد أمريكا أولًا»، و«إعادة التصنيع إلى الداخل»، ومواجهة ما يعتبره «ممارسات تجارية غير عادلة»، وتدعى الرواية الرسمية من واشنطن أن الهدف هو إحياء الصناعة الأمريكية، وتصحيح الاختلالات التجارية.
لكن عمليًا، يبقى غير واضح كيف يعاقب هذا النهج حلفاء مقربين، مثل الاتحاد الأوروبى والمملكة المتحدة وحتى حكومات حلف الناتو فى المجر وإيطاليا وسلوفاكيا، بينما يُفترض أن يعزز الأمن الاقتصادى الأمريكى؟
وتكمن المفارقة فى أن العديد من الدول المستهدفة هى تلك التى وقفت بقوة مع الولايات المتحدة فى قضايا مثل أوكرانيا والأمن العالمى، بينما تم استثناء أنظمة معادية مثل روسيا وكوريا الشمالية وبيلاروسيا وكوبا، التى تتناقض سياساتها مع قيم التجارة الحرة والتعاون الديمقراطى، هذا التناقض يثير تساؤلات حول مصداقية هذه السياسة وأولوياتها.
وعلى أرض الواقع، من المرجح أن تؤتى هذه الرسوم ثمارًا عكسية، فارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج على الشركات الأمريكية، والرسوم الانتقامية- خاصة من الصين- وانكماش الطلب العالمى على الصادرات الأمريكية قد يؤدى إلى نتائج غير مرغوب فيها، مثل تضخم أسعار المستهلكين، واضطرابات فى سلاسل التوريد، وتراجع الإنتاج الصناعى، وهذه ليست وصفة لتعزيز النمو الاقتصادى المستدام.
والأمر لا يقتصر على ذلك، بل إن هذه السياسة تتجاهل التعقيدات الاقتصادية العالمية المترابطة، وفرض رسوم جمركية على حلفاء استراتيجيين تربطها بالولايات المتحدة عقود من التعاون الأمنى والتجارى، قد يضر بالصناعات الأمريكية نفسها. كما أن زيادة التكاليف، وردود الأفعال التجارية، وتعطيل سلاسل الإمداد، ستثقل كاهل الشركات والمزارعين والمستهلكين الأمريكيين. وهناك خطر غير مباشر يتمثل فى تآكل التحالفات السياسية والاقتصادية، فى وقت تحتاج فيه الولايات المتحدة إلى تضامن الحلفاء أكثر من أى وقت مضى.
وبدلًا من تعزيز القوة الأمريكية، قد تؤدى هذه الإجراءات إلى إضعاف التحالفات والأنظمة التى تدعم الاستقرار الاقتصادى العالمى والنفوذ الأمريكى، ففى ظل تحديات جيوسياسية كبرى من الحرب فى أوكرانيا إلى الأزمات الإنسانية والاقتصادية، يصبح الحفاظ على التعاون الدولى ضرورة استراتيجية، لا ترفًا يمكن التضحية به فى معركة تجارية قصيرة النظر.
■ إلى أى مدى ستؤثر هذه الرسوم الجمركية على المكانة السياسية العالمية للولايات المتحدة؟ وهل يتوقع تكوين تحالفات دولية جديدة ردًا على «ترامب»؟
- قد يكون الضرر الذى يُلحق بالمكانة العالمية للولايات المتحدة عميقًا ودائمًا، فالإجراءات الاقتصادية الأحادية الجديدة، خاصة تلك الموجهة ضد حلفاء استراتيجيين، لا تقوّض فقط التعاون التجارى، بل تهز أسس الثقة فى القيادة الأمريكية على المسرح الدولى.
نشهد بالفعل تداعيات سريعة تتمثل فى إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية، ففى آسيا والشرق الأوسط، تتسارع جهود الدول لتنويع شراكاتها الاقتصادية والحد من الاعتماد على السوق الأمريكية، مع اتجاه واضح نحو تعزيز العلاقات مع الصين والتكتلات الإقليمية الناشئة.
والرد الصينى- الذى شمل رفع الرسوم الجمركية إلى ٣٤٪ على منتجات أمريكية وحظرًا جزئيًا على تصدير المعادن النادر- يوضح حجم المخاطر التى تواجهها الصناعات الأمريكية الحيوية، أما فى الخليج والشرق الأوسط، فإن إعادة تقييم التحالفات الاقتصادية قد تؤدى إلى تحولات جيوسياسية بعيدة المدى.
وهذا المنعطف يمثل تراجعًا خطيرًا عن الدور التقليدى للولايات المتحدة كضامن للنظام الدولى القائم على القواعد، فالثقة- التى هى عصب العلاقات الدبلوماسية- تتآكل بسرعة ليس فقط فى أوروبا، ولكن عبر جميع القارات.
أما بالنسبة للاتحاد الأوروبى، فإن الرسالة واضحة: لا بد من تسريع بناء القدرات الاستراتيجية المستقلة فى المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، مع ذلك، يبقى الأوروبيون مستعدين للحوار، على أمل أن تدرك الأوساط السياسية الأمريكية أن العزلة الاقتصادية ليست حلًا فى عالم مترابط، خاصة فى وقت تتطلب فيه التحديات العالمية- من الأمن إلى المناخ- تعاونًا دوليًا غير مسبوق.
■ هل من المتوقع أن نشهد انقسامات كبيرة داخل الكونجرس بسبب سياسات «ترامب» الاقتصادية؟
- نعم، من المتوقع أن تواجه هذه السياسة رد فعل محليًا قويًا فى الولايات المتحدة، فقد بدأ بالفعل عدد من أعضاء الكونجرس- خاصة ممثلى الولايات الزراعية والمناطق المعتمدة على التصدير والمراكز الصناعية- بالتعبير عن قلقهم، ومن المرجح أن تتزايد هذه المعارضة مع تفاقم الآثار الاقتصادية الملموسة.
ويجب ألا نغفل أن الولايات المتحدة تتحمل حاليًا التزامات خارجية ضخمة- عسكرية وإنسانية ومالية- فالتخفيضات الحادة فى ميزانيات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية «USAID» وتمويل الأمم المتحدة، تضعف بالفعل النظام الدولى فى وقت حرج، وإذا أضفنا إلى ذلك اضطرابات التجارة العالمية، فقد نواجه ليس فقط انتقادات من كلا الحزبين، بل مقاومة مؤسسية أوسع داخل أروقة واشنطن.
والخبر السار هو أن هناك مسارات لتصحيح هذا الوضع، فقد يتم الطعن فى هذه الرسوم جبريًا أو إعادة التفاوض عليها، خاصة إذا بدأت تؤثر بشكل واضح على جيوب الأمريكيين العاديين وأرباح الشركات فى الأشهر المقبلة، والتاريخ يخبرنا بأن السياسات التى تضر بالاقتصاد المحلى نادرًا ما تستمر طويلًا فى النظام السياسى الأمريكى.
ماهر الفرزلى المستشار السابق للبنك الدولى: الرئيس الأمريكى ليس غبيًا أو متهورًا
■ لماذا فرض ترامب هذه الرسوم الجمركية؟.. وهل ستحقق نتائج إيجابية للاقتصاد الأمريكى على أرض الواقع؟
- على عكس ما يُروج له فى وسائل الإعلام المعادية لـ«ترامب» عمومًا فى أوروبا والمملكة المتحدة وأمريكا نفسها، فإن الرئيس الأمريكى ليس غبيًا أو متهورًا. كل ما فى الأمر أن أعداء ترامب فى أمريكا وخارجها لا يريدون أن يفهموا أن العالم قد دخل مرحلة جديدة، ودورة طويلة جديدة.
ما يسمى «النظام الليبرالى الحديث»، الذى بدأ فى صيف عام ١٩٤٤، حينما جرى تأسيس صندوق النقد الدولى والبنك الدولى، ثم حلف الناتو بعد خمس سنوات، يقترب الآن من نهايته المفاجئة. يبرز إجماع عالمى جديد ببطء وبألم، وهو «عصر الجيواقتصاد»، أى عهد الجغرافيا الاقتصادية ودمج الجغرافيا السياسية والمالية والاقتصادية والقانون الدولى فى كيان واحد.
النظام الجديد قائم على شكل أنانى من «الواقعية الجديدة». سيجرى تحديد هذا الإجماع الناشئ وتشكيله بشكل مشترك من قبل أمريكا والصين وحدهما، ولن يكون لأوروبا وبريطانيا حتى مقعد صغير على الطاولة.
رؤية ترامب بسيطة للغاية؛ يعتقد أن أمريكا قد تخسر الحرب الباردة «التكنولوجية الصناعية المتسارعة» ضد منافسها العالمى الحقيقى الوحيد «الصين»، لذا قبل الشروع فى برنامج طموح لإعادة التصنيع «إعادة المصانع الصناعية إلى أمريكا والحد من وصول الصين واليابان وأوروبا إلى التقنيات الأمريكية ذات الاستخدام المزدوج- العسكرى والمدنى»- تحتاج الولايات المتحدة إلى خفض عجزها التجارى الهائل بسرعة وبقوة مع كل من الصين والاتحاد الأوروبى، اللذين يُنظر إليهما على أنهما استغلا «السذاجة التجارية» الأمريكية لسنوات طويلة.
■ إلى أى مدى ستؤثر هذه الرسوم الجمركية على المكانة السياسية العالمية للولايات المتحدة؟.. وهل من المتوقع نشوء تحالفات دولية جديدة ردًا على ترامب؟
- للأسف، سواء بالنسبة لحلفاء أمريكا التقليديين «كندا وأوروبا واليابان وكوريا الجنوبية»، أو بالنسبة لأصدقائها الجدد، مثل «فيتنام والهند»، فالإجابة المختصرة هى «لا».
أعنى أن طوكيو وسيول وهانوى تُخادع عندما تقول إنها قد ترد بالتقرب من بكين. أما تهديدات أورسولا فون دير لاين وإيمانويل ماكرون المُصطنعة بـ«لعب ورقة الصين» كقوة موازنة لأمريكا، وما إلى ذلك، فهى محض افتراء ودعاية صبيانية.
على مر السنين، وضع الاتحاد الأوروبى وكندا والهند أنفسها فى زاوية استراتيجية من صنع أيديها، لقد بالغت فى عدائها للصين ووصل الأمر فى بعض الحالات إلى إهانة عمالقة الصناعة الصينية مثل «هواوى» و«CRRC» للقطارات عالية السرعة، و«كوماك» للطيران.
الآن، تستغرق سلاسل التوريد العالمية وقرارات الاستثمار الصناعى والبنية التحتية الكبيرة ما لا يقل عن ٤ أو ٥ سنوات أو أكثر ليجرى عكسها أو استبدالها، وليس أسبوعين أو شهرين.
فى جوهر الأمر، فات الأوان بالفعل على هذه الدول للعب ورقة الصين، إنها تحت رحمة أمريكا، ومن اللافت للنظر أنه ضمن إجراءات التعريفات الجمركية الصارمة التى أعلن عنها قبل يومين، والتى صدمت وهزت العالم بأسره، جرى التعامل مع أربع دول بشكل جيد ومدهش، هى: البرازيل وروسيا والمملكة العربية السعودية وجنوب إفريقيا، وهذا ليس من قبيل الصدفة، بل لأن جميعها تمتلك كميات وفيرة من البلاتين والذهب والغاز الطبيعى والمعادن الأرضية النادرة، وهى ركائز أساسية لـلثورة الصناعية الخامسة والسباق التقنى الصناعى المقبل مع الصين.
كما أن تلك الدول تسيطر على نقاط عبور استراتيجية واسعة، أى ممرات جوية وبحرية وبرية على طول «طريق الحرير الجديد» الصينى.. ببساطة، لا تستطيع أمريكا تحمل معاداة هذه الدول المحورية الأربع الكبرى.