بعد أكثر من 13 عامًا من الحرب الأهلية، يبدو أن الأراضي السورية تعود مجددًا لتكون ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها تركيا وإسرائيل. ورغم عدم وجود نية معلنة لدى الطرفين لاندلاع مواجهة مباشرة، إلا أن المؤشرات الميدانية والعسكرية تشي بتصعيد متزايد بين الجانبين داخل الساحة السورية المنهكة.
قواعد استراتيجية تتحول إلى نقاط اشتباك محتملة
في الأشهر الأخيرة، كثفت إسرائيل ضرباتها الجوية ضد قواعد عسكرية سورية مثل مطار T4، تدمر، وحماة، وهي قواعد تقول تقارير استخباراتية إنها كانت تحت تقييم فرق تركية. وتأتي هذه التحركات في ظل نوايا تركية لتعزيز وجودها العسكري في تلك المناطق.
وتشير تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى أن أنقرة لا تسعى للمواجهة مع إسرائيل، لكن الرد الإسرائيلي جاء سريعًا ومفاجئًا، حيث اتهم وزير الخارجية جدعون ساعر تركيا بالسعي لإنشاء "محمية تركية" داخل سوريا.
صراع المصالح: وحدة سوريا أم تفكيكها؟
في العمق، يكشف التصعيد عن تناقض استراتيجي حاد بين أنقرة وتل أبيب. فبينما تسعى تركيا إلى الحفاظ على وحدة سوريا ومنع قيام كيان كردي مستقل على حدودها، ترى إسرائيل أن تفكيك الدولة السورية هو الخيار الأنسب لضمان أمنها وتحييد نفوذ إيران.
هذا التصادم في الرؤى، وفقًا لأستاذ العلاقات الدولية سمير صالحة، يُعد تحولًا كبيرًا في طبيعة العلاقات التركية-الإسرائيلية، التي كانت حتى نهاية عام 2023 تقوم على تنسيق غير معلن لمواجهة النفوذ الإيراني.
التهدئة ممكنة... ولكن بشروط
رغم المشهد المشحون، يرى المراقبون أن فرص التهدئة لا تزال قائمة، بشرط حدوث تغيرات جوهرية في السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا. ويؤكد صالحة أن أي تصعيد جديد قد يتسبب في انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع، ما لم يتم التدخل من قِبل القوى الغربية للحد من التوتر.
ويشير إلى أن جهودًا من باريس وبروكسل قد تلعب دورًا فاعلًا في نزع فتيل الأزمة، لكن تمسك الأطراف بمواقفها الحالية يقلل من فرص الحل السياسي السريع.
خريطة متشابكة.. وأجندات متضاربة
ما بين سعي تركيا لمنع استقلال الأكراد، ورغبة إسرائيل في تحجيم دمشق وإيران، تبقى سوريا مرشحة للمزيد من التصعيد، وسط غياب أي توافق دولي شامل حول مستقبلها. ويُخشى أن يكون التصعيد الجاري مقدمة لصدام مفتوح وإن لم يكن مباشرًا.